أحمد ياسوف
444
دراسات فنيه في القرآن الكريم
ومن غرضي أن أتزوج ، وعسى أن ييسر لي امرأة صالحة ، ونحو ذلك من الكلام الموهم أنه يريد نكاحها حتى تحبس نفسها عليه إن رغبت فيه ولا يصرح بالنكاح ، فلا يقول : إني أريد أن أنكحك أو أتزوجك أو أخطبك » « 1 » . وما دام هو يعرف ما يقصد ، وهي تفهم مبتغاه من وراء هذه الألفاظ ، فالمؤدّى أن الستر وعدم الجهر مما يناسب الأخلاق الرفيعة ومراعاة مشاعر الآخرين ، بل إن هذا التعريض يدل على كتم المشاعر وعلى عمق الحب ، وعلى أنه سبب لهذا الزواج الذي يبدأ باحترام الزوجين . ويلحظ هذا الحب المكتوم في تعبير « أكننتم » الدال على تعطيل اللسان وعدم الإفصاح عن المشاعر ، وهكذا لا يبدو الرجل فظا قاسيا جلفا ، ولا تبدو المرأة شبقة قليلة الوفاء للزوج السابق ، ونجد في هذه الآية كلمات متعددة تدل على الوجود الداخلي مثل « أعرضتم » و « أكننتم » و « أنفسكم » تلك الكلمة التي تدل على التفكير بتلك المرأة في حديث داخلي ( مونولوج ) ، وكذلك كلمة « سرا » التي تفيد النكاح . ومما يتصل بالنساء أن القرآن الكريم إلى جانب تكريمه المرأة وإعلاء شأنها كرّمها في الحديث عنها ، فقد راعى أدب السكوت عن الأسماء ، وهذا يتصل بالجانب الاجتماعي عموما ولا يقتصر على البيئة العربية . يقول الزركشي : « إن الملوك والأشراف لا يذكرون حرائرهم ، ولا يبذلون أسماءهم ، يكنون عن الزوجة بالعرس والعيال والأهل ونحوه ، فإذا ذكر الإماء لم يكنّوا عنهن ، ولم يصونوا أسماءهن عن الذكر والتصريح بها ، فلما قالت النصارى في مريم وابنها ما قاتلت ، صرّح اللّه تعالى باسمها ، ولم يكنّ عنها تأكيدا لأمر العبودية التي هي صفة لها ، وإجراء
--> ( 1 ) الكشاف : 1 / 310 .